سَمِعنَا وأطَعْنا: سِترٌ أَمرتَ فَسَترنَا أنفُسَنَا

،يا أيّها الناس

أُحييكم بتحية أهل الجنة عسى الله أن يجعلنا منهم وعساه أن يغفر لنا ويرحمنا، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأسأل الله المغفرة إن أخطأت وإن قصّرت وأدعوا أن يحلل عقدة من لساني تفقهوا قولي

الحِجابْ – سكونْ – من أين أبدأ؟

من البداية: بداية الخلق. فلنبدأ بشيء نتفق عليه جميعا ألا وهو أن الله – عزّ وجل – هو خالق السماوات والأرض، وأن بيده ملكوت كل شيء، وأنه على كل شيء قدير. فلنبدأ بمسألة نتفق عليها جميعا ألا وهي أننا نؤمن بكمال الله وكمال صفاته وأنه هو الغني الحميد، وأننا نحن الفقراء. فلنتفق أيضا على بعض الأساسات كالإيمان بأنه واحد أحد، وأنه هو مالك الملك وأننا نحن العباد. حسنًا، نحن متفقون الآن ونحن نسير على نفس الطريق جنبًا إلى جنب، ويدًا بيد: رجالٌ مؤمنون ونساء مؤمنات باللهِ وحده

إلى أين سيقودنا الخلاف؟ وأين يبدأ؟ وما علاقة الرجال بالحجاب؟ ومن هنّ المحجبات؟ ما هو الحجاب؟

هذه الأسئلة التي تدور في أذهاننا هي أسئلة متعلقة ببعضها البعض، تخيّلها – عزيزي القارئ – دائرة تدور حول مركزٍ ما: الإيمان. سأبدأ بتعريف الحجاب، ولن أقول أنه لا يشف ولا يصف وساتر للعورات (فهذا هو التعريف الشرعي للحجاب). إنما سأعرفه بكلمة واحدة: أمر. الحجاب هو أمر كأي أمر من الله عزّ وجل، (وإن اختلفت درجة هذا الأمر) ولكنه كأمر الصلاة، وكأمر الزكاة، وكأمر الصيام من حيث المبدأ، وأقصد بقولي هذا أن في حالة الحجاب والصلاة مثلا الشارع في الحالتين هوالله عز وجل – أي الآمر – وأن الإنسان المسلم هو المأمور، من أحد الفروق أن الصلاة فرضت على الرجال والنساء، أما الحجاب فقد فُرضَ على النساء فقط – وحديثي هنا ليس عن الأدلة الشرعية من القرآن والسنة فقد سبقني أهل العلم بما يكفي، عليكَ عزيزي القارئ البحث وستجد الأدلة القطعية المتعلقة بهذا الشأن

تعريفُ المحجبة: امرأة مسلمة بالغة مُكلفة استجابت لأمرِ الله بالطاعة ولم تُجادل في ما ثبتَ أنه واجبٌ عليها، عرفت الله وحدودها معه، عرفت الله وخافته، عرفت الله وطمعت برحمته، عرفت الله كاملًا، ولم تتساءل “لمَ؟” ولم تتأفأف “كلّا”، ولم تعترض، لأنها تعلم أن الله هومالك الملك وأنه الغني الحميد وأنها فقيرة

 خلقَ الله الذكَر والأنثى، خلقَ الله آدم عليه السلام ثمّ أتبعه بخلق حواء عليها السلام، وبدأ منذ تلك اللحظة مبدأ “المجتمع”، وهو عبارة عن مجموعة من العائلات، فكانت عائلة سيدنا آدم عليه السلام هي اللبنة الأولى التي بُنيت عليها أقوام وعشائر بلغات مختلفة وأشكال متنوعة، ولكن اشتركت هذه المجتمعات بشيء واحد ألا وهو: الرجل والمرأة. وكانا هما أساس الحياة، وما زالا أساس الحياة، فعندنا الزوج والزوجة، الأخ والأخت، الأب والأم، الجد والجدة، الخال والخالة، العم والعمة، وباقي المسميات التي تصف هذين المخلوقين: الذكر والأنثى. فلا يُمكن الفصل بين متلازمين، لأننا إن فصلنا أحدهما عن الآخر سوف ينهار البناء بأكمله، فلو عدنا مثلا إلى سيدنا آدم وحواء عليهما السلام وفصلناهما عن بعض لما كنا اليوم هنا. تخيل عزيزي القارئ أن أمك وأبيك لم يلتقيا أبدًا ولم يتزوجا، فستتبخر أنت بالهواء كأنك لم تكن. لذا، فمن المنطق أن حياة هذين المخلوقين مرتبطة ارتباطًا كاملًا ببعضها البعض، وأنهما مسؤولية أحدهما الآخر لأن الخلل الذي يحدث في هذه العلاقة سيؤدي إلى هدم الأسرة، وإذا هُدمت الأسرة، سيُهدم المجتمع، وإذا هُدِمَ المجتمع فستكون النهاية – أتودها أن تكون النهاية؟ أتود أن ينهار العالم من حولنا؟ بل أن ينهار علينا؟

حسنًا إذا، تروّ قليلًا وفكّر: ما فائدة هذا الكلام؟ سأعود للإجابة بعد قليل

إذا كنتَ من المصلين، لماذا تُصلي؟ وإذا كنت من الصائمين، لماذا تصوم؟ وإذا كنت من المُحسنين، لماذا تُحسن؟ وإذا كنتَ من العادلين، لماذا تَعْدِل؟

هل تصلي كي تُمارس رياضة اليوغا؟ هل تُصلي كي تُنشط عضلات جسدك؟ هل تُصلي كي تُحرّك دورتك الدموية؟ سأجيبُ عن نفسي وأقول: لا، أنا أصلي لأن الله أمرني

  “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا سورة الأحزاب – آية 36

هناكَ آفّة جديدة منتشرة بيننا تغزونا من حيث لا ندري ألا وهي إعطاء الأسباب لعمل الطاعات. فيقول البعض: صم رمضان كي تشعر بالفقراء، صُم رمضان كي يكون جسدك على ما يرام، صُم رمضان كي تصيرَ صحتك بخير. وأنا أقول: صُم رمضان لأنك أُمرتَ بذلك. أنا أصوم لأن الله أمرني

نحنُ كمُسْلِمين ومُسَلِّمين لا نحتاج إلى أسبابٍ إذا أمرنا الله بشيء ما. “سمعنَا وأطعنا” هذا شعارنا (لأننا اتفقنا منذ البداية أن الله هو مالك الملك، وهو الغني الحميد، وأننا العباد الفقراء، يقول عزّ وجل في سورة  فاطر من الآية 15 إلى الآية 17: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17)” وهذا يعني أن الله إن شاء سوّى بنا الأرض فنموت كلنا فيأتِ بخلق آخر غيرنا

صحيحٌ أن للصلاة فوائد جسدية كثيرة، وأن للصيام فوائد إنسانية كثيرة، وأن للزكاة فوائد مالية ولكن نحن نُصلي ونصوم ونزكي لأننا أُمرنَا بذلك، وماهذه الفوائد إلا هدايا دُنيوية تصحب العمل المُبتغى به وجه الله والدار الآخرة

أنا مُحجبة لأنني أمرتُ بأن أتحجب. لا كي أبدو أجمل. لا كي لا ينظر الفتيان تجاهي. لا كي أحمي شعري من الشمس. لا كي أتدفأ في فصل الشتاء. لا كي أكون أنيقة

.كل هذه الأمور هي هدايا دُنيوية، نِعم إضافية سخرها لي الله عز وجل

:أتذكرون عندما سألتكم: ما فائدة هذا الكلام؟ اسمحوا لي أن أجيب الآن

نحنُ نعيش في هذا العالم مع الرجال، وهذه حقيقة وواقع ومن يُريد أن يُخرب الانسجام في العلاقات الكونية بين الرجال والنساء فهو أحمق وساذج ولا يعي ما يقول، لأنه لا يصلح بقدر ما يُفسد، بل إنه لا يُصلح على الإطلاق. إنما يخلق مشاكل جمة، مشاكل قد تؤدي إلى انهيار الأساسات

نحن اتفقنا أننا نُمارس الشعائر الدينية ونفعل ما أُمرنا به طاعة لله عزّ وجل، ولكن ما أود توضيحه أن سترنا لأنفسنا يُساعد على حماية المجتمع، فأقول هذا كي أُؤكد على أحد الهدايا التي أنعمها الله علينا لاعلى سبيل حصر سبب للحجاب. وهذا هو أحد أسباب الخلافات التي باتت تُمزق قواعد المجتمع. فترى النسوة تقلن: فليغض هو بصره. سأرتدي ما يحلو لي. المشكلة في هذا القول أنها لم تفهم معنى الحجاب “كأمر” وربطته مع مسألة نظر الرجال كسبب. ويكأن الحجاب فقط كي لا ينظر الرجل إلى المرأة. وهذا خطأ، فالذي بُنيَ على باطل هو باطل. وكلامها باطل. لا يحلو لها أن ترتدي ما تشاء لأن الحجاب أمر وليس نتيجة لسبب

وعلينا أن نتذكر عورة الرجل على المرأة، فهو أيضا لا يستطيع أن يرتدي ما يحلو له، وعليها هي أيضا أن تغض البصر

فكما نرى: العلاقة تكاملية، هو يرتدي مثل ما أُمِر ويغض البصر، وهي ترتدي مثل ما أُمرت وتغض البصر.

.لماذا؟ لأنهما أمرا بذلكْ. سكون، نقطة

وفي نهاية الأمر كلنا سنموت، وكما قالت لي أمّي مرة: كلّما قصّرت من ثوبكِ وكلّما ظهر من شعرك شيء ابتعدتِ بذلك المقدار عن الجنة واقتربت بذلك المقدار إلى النار، ومن منّا لا يريد النجاة؟ ومن منّا لا يريد العفو؟ والدار الآخرة خيرٌ وأبقى، وهذه الحياة الدنيا لهو ولعب. وأسأل الله لي ولكم العفو والعافية. وأختمها بقوله تعالى

” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ” سورة التحريم – 6